ابن عربي
69
فصوص الحكم
فلنا نسبتان : نسبة إلى الحق وأخرى إلى الخلق كما برهنت على ذلك أدلتنا الكشفية الذوقية . وقد يكون المراد نحن غذاء له نقوِّم وجوده كما يقوّم الغذاء المتغذي : ونحن غذاء لأنفسنا وهذا بعيد : « وليس له سوى كوني * فنحن له كنحن بنا معناه ليس للحق في سوى أنه أعطاني الوجود : والكون هنا بمعنى التكوين أي سوى إظهاري في الخارج لا إيجادي من العدم فإن الخلق ليس له هذا المعنى في مذهب المؤلف كما ذكرنا . أما أنني وجدت على هذا النحو أو ذلك ، أو بهذه الصفة أو تلك فذلك أمر راجع إلى طبيعة عيني الثابتة . ولذلك قال « فليس له سوى كوني » . ومعنى قوله « فنحن له كنحن بنا » أن الجملة « نحن له » تساوي أو تشابه الجملة « نحن بنا » . وفي رواية « نحن لنا » . والمراد أن قول القائل إننا منسوبون إلى الحق تساوي من وجه آخر نحن منسوبون إلى أنفسنا أو نحن ظاهرون في الوجود بأعياننا وهو إشارة إلى النسبتين السابقتين ، ولهذا قال : « فلي وجهان هو وأنا » أي من وجه يقال إنني هو ، ومن وجه آخر يقال إنني أنا : فتنمحي إنيتي في الأولى وتثبت هويته ، وتثبت إنيتي في الثانية وتنمحي هويته . هذا فيما يتعلق بالخلق : له أن يقول إنه هو الحق لأن وجوده عين الوجود المطلق متعيناً ، وله أن يقول إنه الخلق إذا أشار إلى الوجود المتعين . أما الحق فليست له نسبة حقيقيّة إليّ أي أنا : لأن الأنانية أو الإنية هي الوجود المتعين ولا ينسب الحق إلى أي وجود متعين دون غيره . ولهذا قال وليس له أنا بأنا . « ولكن في مظهره فنحن له كمثل إنا » . أي وكل ما يمكن أن يقال هو إنه ظهر في - لا أنه أنا : ولذلك كفّر ابن عربي المسيحيين في قولهم « إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » . فللمسيح أن يقول إنه هو الحق على معنى أن كل شيء هو الحق : وليس للحق أن يقول أنا المسيح عيسى بن مريم . « فنحن له كمثل إنا » أي كمثل الإناء لأن صورنا تحمل الذات الإلهية كما يحمل الإناء ما فيه . وليس المراد الاثنينية فإن الصورة ليست سوى الذات المتعينة .